حمزة العطار
في 18 تشرين الأول 2026، يقف مجلس النواب المصري ليمنح تفويضاً بالدفاع عن السعودية. وقبله بأسبوعين، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية "حلف مكة". وعلى الطاولة، عرض سوري لإرسال 20 ألف جندي.
على الورق، يبدو أن السعودية حشدت نصف العالم الإسلامي لحرب اليمن. على الأرض، الحقيقة عكس ذلك تماماً: كل هؤلاء الحلفاء جاؤوا لشيء واحد فقط: كي لا يحاربوا في اليمن.
أولاً: تاريخ لا يكذب - كل من دخل اليمن خرج مهزوماً
اليمن ليس بلداً، هو جغرافيا تقتل الجيوش. وهذه ليست شعارات، بل أرقام:
- العثمانيون (1635-1918): حكموا اليمن 4 مرات، وكل مرة طردوا. المؤرخون العثمانيون أنفسهم سموها "اليمن مقبرة الأناضول"، حيث مات أكثر من 100 ألف جندي عثماني في جبال اليمن.
- المصريون (1962-1970): جمال عبد الناصر أرسل 70 ألف جندي لإنقاذ الثورة اليمنية. النتيجة: 26 ألف قتيل مصري، و 3 مليارات جنيه خسائر، وسماها المشير عامر "فيتنام مصر". هذه الهزيمة هي التي مهدت لنكسة 1967. ومن يومها، الجيش المصري لديه عقدة اسمها اليمن.
- السعودية (2015-2026): 11 سنة حرب، أكثر من 300 مليار دولار كلفة مباشرة وغير مباشرة، أكثر من 500 صاروخ باليستي و 2000 مسيرة حوثية ضربت أراضيها، ومطار الرياض يقفل اليوم لأول مرة في تاريخ المملكة بسبب صاروخ يمني. والنتيجة: الحوثي اليوم يسيطر على مساحة أكبر مما كان يسيطر عليها عام 2015.
هذه التجارب لا ينساها أي جنرال في القاهرة أو إسلام آباد أو أنقرة.
ثانياً: حلف مكة... حلف للدفاع عن النفس لا عن السعودية
لنقرأ ما قاله الحلفاء بلسانهم، لا بلسان الرياض:
- باكستان (9 تشرين): "قواتنا في السعودية منذ 1982، ومهمتها حصرياً الدفاع عن الأراضي السعودية، ولن تعبر الحدود إلى اليمن". هذا نفي قاطع، رغم أنها عضو مؤسس في الحلف.
- مصر (18 تشرين): السيسي طلب تفويضاً "للدفاع عن السعودية إذا طلبت"، وليس للهجوم على اليمن. المادة 152 من الدستور تمنع إرسال قوات لقتال خارج الحدود إلا بثلثي البرلمان، وحتى لو منح التفويض، فهو تفويض دفاعي داخل السعودية، لحماية باب المندب وقناة السويس.
- تركيا: لم تصادق بعد على الاتفاقية في برلمانها، وكل ما عرضته هو بطاريات دفاع جوي ومسيرات اعتراضية.
- سوريا: نفت رسمياً أي نية لإرسال قوات، وقالت "أولويتنا إعادة بناء بلدنا".
الرسالة واضحة: كلهم يريدون فلوس السعودية ونفطها، ولا أحد يريد أن يموت في جبال صعدة.
ثالثاً: لماذا اليمن لا يمكن هزيمته؟ ثلاثية الجبل والعقيدة والقبيلة
1. الجبل: 75% من اليمن جبال شاهقة (2000-3500 متر). لا دبابة تستطيع الصعود، ولا قمر صناعي يستطيع كشف مقاتل يلبس خيشاً وينام في كهف. الجغرافيا اليمنية هي أكبر حليف للحوثي.
2. العقيدة: الحوثي ليس جيشاً، هو حركة عقائدية زيدية تعتبر الموت في سبيلها شهادة. أنت تقاتل مقاتلاً يرى أن صاروخك يقربه من الجنة. هذا النوع من المقاتلين لا يهزم بالطيران.
3. القبيلة: اليمن 2000 قبيلة مسلحة. القاعدة الذهبية: "أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب". حتى القبائل التي تكره الحوثي، ستقاتل معه إذا رأت جندياً مصرياً أو باكستانياً على أرضها.
رابعاً: السعودية الخاسر الأكبر - حليف بلا حلفاء
وهنا تكمن مأساة السعودية:
السعودية هي الدولة الوحيدة التي تخوض حرباً وجودية في اليمن، لأن الصواريخ تضرب مطاراتها ومدنها. أما حلفاؤها، فيخوضون حرباً حسابية: كم سأربح من الرياض مقابل أقل خسائر ممكنة؟
- مصر تريد 10 مليارات دولار لإنقاذ اقتصادها، مقابل كتيبة دفاع جوي في تبوك.
- باكستان تريد نفطاً مؤجلاً ووديعة بنكية، مقابل إبقاء جنودها في قاعدة قديمة.
- تركيا تريد عقود إعادة إعمار وطائرات مسيرة، مقابل تصريح تضامني.
- أمريكا تريد تطبيعاً سعودياً-إسرائيلياً، مقابل معلومات استخباراتية.
لا أحد منهم مستعد أن يرسل ابنه ليموت في مأرب أو الحديدة.
ولذلك، فإن حلف مكة، رغم ضجيجه، لن يغير معادلة الحرب. سيحمي سماء الرياض قليلاً، لكنه لن يعيد صنعاء للشرعية، ولن يوقف مسيرة الحوثي القادمة.
السعودية اليوم تقف وحيدة أمام حقيقة تاريخية تعلمها جيداً: اليمن يمكن حصاره، يمكن قصفه، يمكن تجويعه، لكن لا يمكن احتلاله.
ومن ينسى هذه الحقيقة، يدفع ثمنها كما دفعها المصريون والعثمانيون والسعوديون أنفسهم: دماً ومالاً وهزيمة معنوية.
اليمن سيبقى مقبرة الغزاة، وحلف مكة سيبقى حلفاً على الورق، والسعودية ستبقى تبحث عن نصر لن يأتي من السماء التركية ولا من الجنود المصريين، بل من مصالحة يمنية-يمنية لم تعد الرياض تملك مفاتيحها.